الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

30

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار . قال المفسرون : إن اليهود كانت تزعم أنه يجب أن يكون للأنبياء خصوص هذه المعجزة ، وهي أن يقربوا قربانا فتنزل النار من السماء وتأكل قربانهم ، ففي ذلك دلالة على صدق المقرب ( أي صاحب القربان ) . ولو أن اليهود كانوا صادقين في هذا الطلب ، وكانوا يريدون - حقا - مثل هذا الأمر من باب إظهار الإعجاز ، وليس من باب العناد واللجاجة والمغالطة لكان من الممكن إعذارهم ، ولكن تاريخهم الغابر ، وكذا مواقفهم المشينة مع نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تثبت الحقيقة التالية ، وهي أنهم لم يكونوا أبدا طلاب حق وبغاة علم ، بل كانوا يأتون كل يوم بمغالطة واقتراح جديد لمواجهة الجو الضاغط عليهم ، وما كان يخلقه القرآن من وضع محرج لهم بفضل ما كان يقيمه من براهين ساطعة وقوية ، وذلك فرارا من قبول الإسلام ، والانضواء تحت رايته ، وحتى لو أنهم حصلوا على مقترحاتهم فإنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان ، بدليل أنهم كانوا قد قرأوا في كتبهم كل علائم نبي الإسلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكنهم مع ذلك أبوا إلا رفض الحق ، وعدم الإذعان له . يقول القرآن في مقام الرد عليهم : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ؟ وفي ذلك إشارة إلى زكريا ويحيى وطائفة من الأنبياء الذين قتلوا على أيدي بني إسرائيل . هذا ويذهب بعض متأخري المفسرين ( مثل كاتب تفسير المنار ) إلى احتمال آخر حول مسألة القربان خلاصته : إن مقصودهم لم يكن إن على النبي أن يذبح قربانا وتنزل من السماء نار بطريقة إعجازية وتحرق ذلك القربان ، بل كان مرادهم هو أنه كان في تعاليم دينهم نوع من هذا القربان الذي يذبح بطريقة خاصة وفي مراسيم معينة ، ثم يحرق بالنار وهو ما جاء شرحه في الفصل الأول من سفر " اللاويين " من التوراة ( العهد القديم ) .